شهدت عدة سجون مصرية موجة من الاحتجاجات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بعدما تبددت آمال محتجزين كانوا ينتظرون أن يضع قانون الإجراءات الجنائية الجديد حدًا لفترات حبسهم الاحتياطي المطولة، إثر تأجيل تطبيق القانون في اللحظات الأخيرة.

 

ونقل موقع مدى مصر، في تقرير عن محامين يتولون الدفاع عن محتجزين في سجون مختلفة، أن السلطات ردّت على الاحتجاجات بإجراءات شملت، بحسب رواياتهم، نقل محتجزين إلى سجون بعيدة عن أسرهم، في ممارسة تُعرف باسم «التغريب».


وأرجأ قرار التأجيل فرصة الإفراج عن عشرات المحتجزين الذين كانوا يأملون الاستفادة من بدء تطبيق القانون في الأول من أكتوبر، بعدما تجاوزوا المدد القانونية للحبس الاحتياطي. ومع إرجاء التطبيق حتى أكتوبر 2027، تصاعدت الاحتجاجات داخل أماكن الاحتجاز، وسط اتهامات باستخدام القوة، وفرض عقوبات تأديبية، وتقييد حقوق المحتجزين. وفي المقابل، نفت وزارة الداخلية مرارًا وقوع احتجاجات أو انتهاكات داخل السجون، بينما لم تكن النيابة العامة قد أصدرت بيانًا بشأن هذه الادعاءات حتى موعد نشر التقرير.

 


احتجاجات السجون واتهامات بالتغريب وسوء المعاملة


قال محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لمدى مصر، إن المجلس يعتزم زيارة عدد من السجون التي تلقى شكاوى بشأنها، لكنه أشار إلى أن المجلس تلقى «تأكيدات» من النيابة العامة ووزارة الداخلية بأن الأوضاع داخل السجون «طبيعية». وفي المقابل، طالب محامون ومدافعون عن حقوق الإنسان بفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات المحتملة بحق المحتجزين، في ظل استمرار تلقي شكاوى من أسرهم وتوثيق وقائع الاحتجاجات.


ومن بين الذين تعرضوا، بحسب محامية حقوق الإنسان ماهينور المصري، لعمليات «التغريب»، الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني. وقالت المصري إنها تلقت معلومات في الأول من أكتوبر تفيد بنقل الإسكندراني ومحتجزين آخرين من مركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان «بعنف، ما أسفر عن إصابة بعض المحتجزين». ووجّهت المحامية بلاغًا إلى النائب العام طالبت فيه بالكشف عن مكان احتجاز موكلها.


وأكدت المصري لمدى مصر أن أسرة الإسكندراني تحققت بصورة مستقلة من نقله من سجن 6 بمركز العاشر من رمضان إلى سجن وادي النطرون. كما طالبت بإجراء تحقيق عاجل في ملابسات النقل وأي اعتداءات محتملة على الإسكندراني أو غيره من المحتجزين، مع إحالتهم إلى الطب الشرعي أو الجهات الطبية المختصة لتوثيق حالتهم.


وفي سياق متصل، أفاد محامٍ آخر يتولى الدفاع عن متهمين في قضايا سياسية بأن بعض موكليه نُقلوا من سجن العاشر من رمضان إلى سجن جمصة على خلفية الاحتجاجات، استنادًا إلى معلومات تلقاها من أسر ثلاثة محتجزين.

 

وأوضح أن سجناء في العنبر السادس احتجوا على ظروف احتجازهم، ورددوا هتافات ورفضوا العودة إلى الزنازين بعد انتهاء فترة التريض. وتدخلت قوات مكافحة الشغب لتفريق التجمعات وإعادة المحتجزين إلى زنازينهم، قبل أن تبدأ إدارة السجن نقل عدد منهم إلى منشآت أخرى. وأضاف أن أحد المحتجزين أُودع الحبس الانفرادي عقابًا له على دخوله في إضراب عن الطعام.


وأكد ثلاثة محامين ومصدر حقوقي لمدى مصر تلقي شكاوى من أسر محتجزين بشأن سوء معاملة السجناء عقب احتجاجات شهدتها عدة زنازين، شملت الهتاف والطرق على الأبواب، وتعطيل كاميرات المراقبة في بعض الزنازين، ورفض الخروج للتريض، إلى جانب تنفيذ حملات تفتيش موسعة لمحتويات الزنازين.

وأشار المصدر الحقوقي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته وحجب بعض التفاصيل حفاظًا على سلامة المحتجزين وأسرهم، إلى توثيق احتجاجات في سجني المنيا وبدر أيضًا. وتنوعت أشكال الاحتجاج بين الإضراب عن الطعام، وإغلاق أبواب الزنازين، ومحاولات تغطية كاميرات المراقبة. واختلفت استجابات إدارات السجون، إذ سعت بعضها إلى تهدئة الأوضاع، بينما لجأ بعضها الآخر إلى إجراءات أكثر عنفًا.


وأضاف المصدر أن محتجزين في المنيا رفضوا الأسبوع الماضي تسلم الوجبات أو الخروج للتريض، فيما رفضت مجموعة أخرى الزيارات، وردد سجناء هتافات وطرقوا أبواب الزنازين. ووفقًا للشكاوى، استخدمت القوات العنف ضد مجموعة مضربة عن الطعام، ما دفع سجناء آخرين إلى الاحتجاج على الاعتداءات، قبل نقل المضربين إلى سجن آخر.


وفي 9 أكتوبر، أصدرت عشر منظمات حقوقية بيانًا مشتركًا قالت فيه إنها وثّقت احتجاجات خلال الأسابيع الأخيرة في سجون العاشر من رمضان وبدر والمنيا وأبو زعبل والوادي الجديد. وأشارت إلى تقارير عن دخول قوات الأمن إلى أماكن الاحتجاز للسيطرة على الأوضاع، ومصادرة متعلقات شخصية، ونقل محتجزين شاركوا في الاحتجاجات إلى زنازين أخرى أو إلى سجون بعيدة عن أماكن احتجازهم الأصلية، ومن بينهم الإسكندراني.


وضمّت المنظمات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان. وأعربت عن «قلق بالغ» إزاء التقارير، مطالبة بفتح تحقيق في أي انتهاكات محتملة أو استخدام للقوة، وإنهاء الإجراءات الانتقامية وعمليات النقل التعسفي والقيود المفروضة على الزيارات والاتصالات، وضمان حصول المحتجزين على الرعاية الطبية.


كما أصدرت أسر المحتجزين بيانًا جماعيًا في 2 أكتوبر أعربت فيه عن قلقها، لا سيما مع تعذر التواصل المباشر مع ذويها. وحظي البيان بتأييد محامين وشخصيات عامة ومدافعين عن حقوق الإنسان وأحزاب سياسية.

 


تأجيل قانون الإجراءات الجنائية يبدد آمال الإفراج عن المحتجزين


ظهرت مؤشرات التوتر داخل السجون مع اقتراب موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في نهاية سبتمبر. وقالت مصادر حقوقية ومحامون إن آلاف المحتجزين احتياطيًا وأسرهم علقوا آمالًا كبيرة على الأول من أكتوبر، باعتباره موعدًا محتملًا لصدور قرارات إفراج جماعي عن أشخاص تجاوزت مدد احتجازهم الحدود القانونية.


وتنص المادة 124 من القانون الجديد على ألا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي خلال مرحلة التحقيق الابتدائي ومراحل الدعوى الجنائية الأخرى ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية. كما تحدد سقفًا أقصى للحبس الاحتياطي يبلغ أربعة أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.


ورغم أن القانون القديم للإجراءات الجنائية كان يتضمن أيضًا حدودًا زمنية للحبس الاحتياطي لم يُلتزم بها، قدّمت الحكومة القانون الجديد، خلال مناقشته وإقراره في البرلمان عام 2025، باعتباره خطوة لتعزيز ضمانات حقوق المتهمين والحد من اعتماد السلطات على الحبس الاحتياطي.


وقال محاميان ومصدران في المجال الحقوقي إن محتجزين وأسرهم تلقوا رسائل مطمئنة من السلطات بشأن الإفراج عن الأشخاص الذين استنفدوا مدد الحبس القانونية. وأوضح محامٍ يتولى الدفاع عن متهمين عُرضت قضاياهم على محكمة بدر لمراجعة الحبس الاحتياطي في سبتمبر، أن الأمل كان يتمثل في الإفراج عن أعداد كبيرة ممن تجاوزوا مدد احتجازهم القانونية.


ومع اقتراب نهاية سبتمبر، أبلغ ثلاثة محامين مدى مصر بأن دعوات إلى الإضراب عن الطعام بدأت تنتشر استعدادًا للأسبوع الأول من أكتوبر، تحسبًا لعدم صدور قرارات الإفراج المنتظرة.


وكانت وفود من المجلس القومي لحقوق الإنسان قد زارت سجن العاشر من رمضان في أغسطس وسجن بدر في سبتمبر. ووفقًا لبيانات المجلس، التقت الوفود عددًا من النزلاء وتفقدت الأقسام والمنشآت، لكن البيانات لم تشر إلى تلقي شكاوى بشأن انتهاكات.


ويُعد المجلس إحدى الجهات الرسمية القليلة المخولة بالرقابة على أماكن الاحتجاز، إلى جانب النيابة العامة، غير أن الجهتين نادرًا ما تعلنان عن أوجه قصور أو انتهاكات بناءً على زياراتهما. وينص قانون المجلس على اختصاصه بزيارة السجون وأماكن الاحتجاز ومؤسسات العلاج والإصلاح والاستماع إلى النزلاء، لكن الزيارات تجري عمليًا بعد تنسيق مسبق مع وزارة الداخلية وتحت إشرافها. وفي المقابل، لا يُسمح للمنظمات الحقوقية المستقلة بزيارة السجون ومراقبة الأوضاع داخلها.


وقال السادات إن لجان المجلس وقياداته تعمل على التحقق من صحة ما يُنشر ويُتداول بشأن الاحتجاجات والإضرابات في بعض السجون، وإن المجلس يجري مشاورات مستمرة مع النيابة العامة وقطاعات حقوق الإنسان والحماية الاجتماعية بوزارة الداخلية المعنية بمراكز الإصلاح والتأهيل.


وأضاف أن السلطات أكدت للمجلس حتى الآن أن الأوضاع «طبيعية ومنتظمة»، لكنه أشار إلى اعتزام المجلس تنظيم زيارات جديدة للسجون التي تلقى شكاوى بشأنها. وتشمل الشكاوى منع المحتجزين من التريض، وغياب الرعاية الصحية، والصعوبات التي تواجه أسرهم أثناء الزيارات، بما في ذلك التفتيش المطول والتأخير.


وفي المقابل، واصلت وزارة الداخلية نفي وقوع هذه الأحداث. ففي 26 سبتمبر، نفت دخول سجناء في المنيا إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على سوء المعاملة، ثم نفت في 28 سبتمبر وجود رسائل من محتجزين تتحدث عن احتجاجات وإضرابات في عدة سجون. وفي بيان صدر في 2 أكتوبر، أكدت أن الأوضاع طبيعية في جميع مراكز الإصلاح والتأهيل، وأن النزلاء يحصلون على الزيارات المقررة قانونًا.

 

كما نفت وقوع احتجاجات أو إضرابات عن الطعام، أو منع الزيارات، أو استخدام الغاز ضد المحتجزين، أو محاولة بعضهم الانتحار. ووصفت الوزارة هذه الادعاءات بأنها لا أساس لها، معتبرة أنها تأتي ضمن محاولات مستمرة من جماعة الإخوان المسلمين، التي وصفتها بالإرهابية، لإثارة الاضطرابات عبر اختلاق الأكاذيب وتحريف الحقائق بهدف الحصول على مزايا لا تستحقها عناصرها قانونًا داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.

 


احتجاجات داخل المحاكم وتصاعد الإحباط من تمديد الحبس الاحتياطي


يربط المحامون الاحتجاجات بتراكم الغضب من ظروف الاحتجاز، إلى جانب حالة عامة من التوتر واليأس تفاقمت بسبب الآمال التي عُلقت على تطبيق القانون الجديد ثم تبددت. ومع تزايد التصريحات التي تشير إلى عدم جاهزية منظومة المحاكم لتطبيقه، قُدّم تعديل في اللحظات الأخيرة لتأجيل نفاذ القانون، وأقره البرلمان خلال جلسة طارئة في 30 سبتمبر.


وروى محامٍ يتولى الدفاع عن متهمين عُرضوا على محكمة بدر أن التوتر تصاعد داخل المحكمة الجنائية في 26 سبتمبر، عندما رفضت المحكمة طلب أحد المتهمين التواصل مع أسرته. ودفع القرار محتجزين آخرين كانوا يجلسون معه داخل القفص الزجاجي إلى الهتاف تضامنًا معه.


وخلال الأيام التالية، شهدت المحكمة احتجاجات مماثلة، إذ هتف متهمون وطرقوا جدران القفص بعنف اعتراضًا على قرارات تجديد حبسهم احتياطيًا. وبلغت الاحتجاجات ذروتها في جلسة 28 سبتمبر، حين طالب القاضي المتهمين ومحاميهم بوقف الهتافات. وانتهى الأمر بالحكم على أحد المحتجين بالسجن ثلاث سنوات بتهمة إهانة المحكمة، قبل تخفيض العقوبة لاحقًا إلى سنة واحدة.


وأشار المحامي إلى أن القضاة أصدروا خلال تلك الجلسات قرارات بتجديد حبس متهمين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي سبع سنوات. وكان المحامي نبيه الجنادي قد تحدث سابقًا لمدى مصر عن ثلاث جلسات على الأقل لمراجعة الحبس الاحتياطي في محكمة بدر، شهدت احتجاجات وطرقًا على القفص الزجاجي وتحطيم كاميرات مراقبة داخله.


وأكد محامون حضروا جلسات المحكمة خلال الأسبوع نفسه أن الاحتجاجات كانت غير مسبوقة، وأن السلطات قلّصت في الأسبوع التالي عدد المتهمين الذين يُعرضون في كل جلسة، في خطوة بدت محاولة لاحتواء التحركات.


وقال محامٍ ثالث إن المحتجزين المشاركين في احتجاجات المحكمة ينتمون إلى أكثر من سجن، وإنهم ظلوا ينتظرون الإفراج عنهم منذ فترة طويلة. وأضاف أن بعض الأسر طلبت منه عدم تقديم طلبات لاتخاذ إجراءات إضافية في قضايا ذويها، انطلاقًا من أمل المحتجزين في الخروج مع حلول أكتوبر. واعتبر أن موجة الأمل كانت قوية وحقيقية، لأنها تراكمت منذ بدء مناقشة القانون.


من جهته، قال محامٍ آخر حضر جلسات محكمة بدر إن تأجيل القانون خلّف شعورًا بخيبة الأمل، بعدما ارتفعت التوقعات بالإفراج عن أعداد كبيرة من المحتجزين الذين تجاوزوا بالفعل المدد القانونية للحبس الاحتياطي.


وفي إشارة إلى استمرار أزمة الحبس الاحتياطي المطول، التي شكّلت أحد أبرز مطالب المدافعين عن حقوق الإنسان خلال الدعوات إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية، قال المحامي إن هناك إرادة لعدم الانخراط في معالجة هذه القضية أو التعامل معها بصورة جدية.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/10/14/feature/politics/lawyers-describe-prisoner-protests-harsh-security-response-at-several-facilities-across-country-rights-organizations-call-for-independent-review/